السيد محمد حسين فضل الله
36
من وحي القرآن
وأطاعوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين انفتحوا على اللَّه من مواقع الحق المشرق في آفاق الفكر الواعي الممتد في كل رحاب الحياة ، فيزنون الأمور بموازينها ، ويقيسون القضايا المتنازع عليها بمقاييسها الدقيقة ، ويناقشون الأفكار بحكمة ، ويبلورون القناعات بعمق وصفاء . . . هؤلاء الذين لا يدخلون الغرائز في آفاق العقيدة ، ولا يثيرون الأفكار في ساحة الشهوات ، ولا يحركون المواقف في أجواء الأطماع ، بل يضعون كل شيء موضعه ، فللفكر موقعه ، وللغريزة مواقعها ، ففي الفكر عمق الانتماء وامتداد القناعة ، وفي الغريزة حاجة الحس وغذاء الجسد ، فلا يختلط موقع أحدهما بموقع الآخر ، لتتوازن القضايا عندهم في طبيعتها ، وتتركز في نتائجها . وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ فليس له أن يقهر أحدا على اعتناق فكرة معينة ، أو يجبر أحدا على سلوك طريق معين ، فللإنسان حريته في اختياره ، من خلال ما يملكه من عقل وإرادة . وكما الإرادة تخضع لتوجيهات العقل والإيمان ، فقد تميل إلى الشهوات المحرمة التي يثيرها إبليس بوسوسته وتزيينه وإثارته للإغراء في أكثر من موقع للإنسان ، ليقف الناس بين الحق والباطل ، والخير والشرّ ، وليعيشوا حركة الاهتزاز في عملية الاختيار ، ولم يكن ذلك إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ على أساس الالتزام بالعمق الفكري للمسألة الذي يضع الإيمان بالآخرة في نصابها الصحيح من موقعها في ساحة الحقيقة ، ومن اعتبارها أساسا لإبعاد الوجود الإنساني - وفق إرادة اللَّه - عن دائرة العبث مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ لخضوعه للاهتزاز الفكري المشدود إلى اهتزاز الحسّ في مألوفاته وفي غرائزه وشهواته ، فلا يستقر على رأي ، ولا يطمئن إلى موقف ، وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ لا يفوته أيّ شيء مما يحدث في الكون ، ولا مما يفكر به الإنسان . وقد توحي كلمة لِنَعْلَمَ بأن تحريك الشيطان للدخول في مشاعر الإنسان ، يستهدف أن يعلم اللَّه المؤمنين من الشاكّين ، مما يعني أن اللَّه يحتاج